فخر الدين الرازي

128

القضاء والقدر

الثاني : إن الخلق عبارة عن التقدير - على ما تقدم ذكره - والتقدير عبارة عن إيقاع الفعل على مقدار مخصوص مطابق للغرض والمصلحة . وهذا إنما يتأتى في حق العالم ، الذي لا يجهل شيئا ، والقادر الذي لا يعجز عن شيء . أما العبد فإنه في الأكثر شيئا ، ويجيء فعله بخلاف ما قدره . وحينئذ لا يكون خلق العبد ، مثلا لخلق اللّه . الثالث : إن قوله تعالى : خَلَقُوا كَخَلْقِهِ إنما يتناول من كان خلقه ، مساويا لكل ما كان خلقا للّه تعالى . لأن قوله : كَخَلْقِهِ يتناول جميع مخلوقات اللّه تعالى . ومعلوم أن العبد ليس كذلك ، فوجب أن لا يندرج تحت النص . وبقية الأسئلة على هذه الحجة ، كما تقدم على الحجة الأولى . واللّه أعلم . والجواب عن السؤال الأول : إن الحركة عبارة عن حصول الجوهر في حيز ، بعد أن كان في حيز آخر « 1 » . هذا هو المعقول من ماهية الحركة وحقيقتها . فإذا فعل العبد مثل هذا الشيء ، ثم إنه تعالى أيضا فعله مثله ، فحينئذ يكون خلق العبد مثلا لخلق اللّه تعالى ، على هذا التقدير . وأما السؤال الثاني . فجوابه : إن أفعال العباد ، وإن كانت لا توجد على وفق تقديرهم على الدوام ، إلا أنها قد توجد على وفق تقديرهم في بعض الأوقات . وحينئذ يكون ذلك الخلق في تلك المرة ، مثلا لخلق اللّه . وأما السؤال الثالث . فجوابه : إن قوله : « كخلقه » لا يوجب العموم . لأنه إشارة إلى المصور ، فيكفي في العمل به ، ثبوته في صورة واحدة . فإذا كان خلق العبد مثلا لخلق اللّه تعالى مرة واحدة ، وقد صدق عليه في تلك المرة أنه خلق مثل خلق اللّه تعالى ، فحينئذ يندرج تحت النص . واللّه أعلم . الحجة الثالثة : قوله تعالى : وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ ، أَوِ اجْهَرُوا بِهِ . إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ . أَ لا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ؟ « 2 » والاستدلال به من وجهين : الأول : لا نزاع في أن المراد بِذاتِ الصُّدُورِ : أفعال القلوب . وهي الدواعي والصوارف والعقائد والخواطر . ثم إنه تعالى أفتى بكونه عالما بها ، بأسرها . واحتج على صحة

--> ( 1 ) عرف الجرجاني الحركة بأنها : « الخروج من القوة إلى الفعل على سبيل التدريج . قيد بالتدريج ليخرج الكون عن الحركة . وقيل هي : شغل حيز بعد أن كان في حيز آخر وقيل : الحركة كونان في آنين . في مكان واحد » ( التعريفات 114 ) . وقال أبو البقاء الكفوي في « الكليات » : هي عبارة عن كون الجسم في مكان عقيب كونه في مكان آخر » ( 2 / 213 ) . وعلى تعريف الحكماء فإن الحركة هي - كما يقول ابن سينا - كمال أول لما بالقوة من جهة ما هو بالقوة . وإن شئنا قلنا : هي خروج من القوة إلى الفعل لا في آن واحد : ( رسالة الحدود ضمن كتاب المصطلح الفلسفي للدكتور الأعم ص 252 ) وهكذا عرفها الغزالي في معيار العلم ص 303 . أما على تعريف الرازي فهو تعريف المتكلمين للحركة وقد ذكره أيضا في محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ص 140 . وانظر أيضا للرازي المباحث المشرقية 1 / 547 . ( 2 ) سورة الملك الآية 13 و 14 .